الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
350
المنقذ من التقليد
صحيحا سليما ، لا يلحقه غمّ وألم فشئ مقدّر ، لا وجه له في الدنيا لا يسلم أحد من الناس في الدنيا من ضروب الآلام والغموم ، في صغرهم وكبرهم . فإن قيل : كيف نفى أعواض القدر الذي أصابه من الآلام والهموم بما يتجه عليه من الأعواض في مقابلة ما عددناه من أنواع الظلم ؟ قلنا : أعواض ما يستحقّوه عليه بجميع ما ذكره السائل من أنواع الظلم مستحقّة بطريق الانتصاف ، فيكون مساويا لتلك الآلام في المقدار ولا يكون زائدا عليها ، بل يكون في مقابلة كلّ جزء من الألم جزء من العوض حتّى لا يكون حيفا وظلما على الظالم ، وليس كذلك أعواض ما أصابه من الآلام والغموم من جهته تعالى ، فانّها تكون موفية على تلك الآلام والهموم زائدة عليها بما لا يكاد يدخل تحت الحصر والعدّ ، ولذلك أحسن إيصالها إلى المؤلم من غير رضاه - على ما ذكره فيما مضى - وإذا كان كذلك تصوّر أن يكون فيها وفاء جميع ما استحقّ عليه ، واندفع التعجّب . وأمّا ما ذكره أخيرا في قتلة الأنبياء والأولياء عليهم السلام . فالجواب عنه : أنّ قتلهم إنّما عظم موقعه في الإثمّ واستحقاق العقوبة عليه من حيث أنّ أولئك القتلة يستحقّون من العقوبة ، والاستحقاق والإعانة ما لا يستحقّه غيرهم من المذنبين . فأمّا العوض المستحقّ عليهم بذلك ، فانّه لا يعظم ، بل يكون بطريق الانتصاف على ما ذكرناه ولا يكون زائدا على إيلامهم الأنبياء والأولياء ، إذ لو كان زائدا لكان ظلما عليهم ، على ما مرّ . واختار صاحب الفائق القول بأنّه يحسن من اللّه تعالى أن يتفضّل على الظالم بقضاء ما يستحقّ عليه من الأعواض ، كما يحسن من أحدنا قضاء الدين عن المديون المفلس . واستدلّ عليه بأن قال : حقّ المظلوم هو في النفع المقابل للمضارّ التي وصلت إليه . ولا فرق في وصول هذا الحقّ إليه بين أن يصل إليه من أعواض